محمد بن عبد الله الحسيني الموسوي ( كبريت )
23
رحلة الشتاء والصيف
ثم لم نزل في نزول وارتحال ، وقطع حِرار ورمال ، في ذلك التيه الذي أعيا الرحال والرجال ، وهو فضاء واسع عن يمينه جبل الطور وعن يساره العريش ، وقدره أربعون فرسخاً في مثلها ، شديد البرد أيام الشتاء ، شديد الحر أيام الصيف ، معدوم الماء ، ينتهي إلى بحر فاران مغرق فرعون . وفاران من مدن العمالقة ، وفيه تاهت بنو إسرائيل أربعين سنة ينزلون حيث يرحلون ، وأكثر ما يرى فيه بصل العنصل ويُسمّى روض الجمل ، ما أحسن ما قال : رعى الله ظبياً بالأرَيْمِلِ إذ بدت . . . حشاشةُ قلب المستهام رعاها إذا ما بدا والتيه بيني وبينه . . . تحجّب عني بالدلال وتاها ثم انصرفنا من المنصرف على هضاب وجور ورمل كثير ، يقال إن الإسكندر أراد أن يخلط بحر السويس ببحر الروم من هذا الطريق ، وهذه الحفر آثار ذلك . وقيل بل كان فيها خليج من النيل متصل ببحر السويس فاقتضى الحال أن يُطم فهو هذا . عجرود ثم أتينا عجرود ذات الجفا والصدود ، متعطشين إلى الما ، متألمين من الظما ، فشربنا من مائه الذي زاد على الملوحة بالمرار ، ومن فقد العين تعلل بالآثار ، وهو من أعمال السويس على نصف مرحلة منها ، وادٍ فيه قلعة فيها بئر ماؤها كالعلقم ، ربما أسهل ، ثم قمنا نقطع البوادي ، وهي تقطع الأكباد ، وقد أنفذ فينا البينُ أمره ، وأذاقنا من السفر حلوه ومره :